نصر حامد أبو زيد

113

الاتجاه العقلي في التفسير

الشياطين المعروفين بهذا الاسم ، من فسقة الجن ومردتهم . فقال أهل الطعن والخلاف كيف يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه ، ولا وصف لنا صورته في كتاب ناطق ، أو خبر صادق ، ومخرج الكلام يدل على التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها . وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره . فكيف يكون الشأن كذلك ، والناس لا يفزعون إلّا من شيء هائل شنيع ، قد عينوه ، أو صوره لهم واصف صدوق اللسان ، بليغ في الوصف ، ونحن لم نعاينها ، ولا صورها لنا صادق . وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين ، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك ، ولا يقفون عليه ، ولا يفزعون منه ، فكيف يكون ذلك وعيدا عاما ؟ ! قلنا ، وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط ، ولا صوّر رءوسها لنا صادق بيده ، ففي اجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين ، أحدهما أن يقولوا : « لهو أقبح من شيطان » والوجه الآخر أن يسمى الجميل شيطانا ، على جهة التطيّر له ، كما نسمي الفرس الكريمة شوهاء ، والمرأة الجميلة صمّاء ، وقرناء ، وخنساء ، وجرباء ، وأشباه ذلك ، على جهة التطيّر له . ففي اجماع المسلمين والعرب وكل من لقيناه ، على ضرب المثل بقبح الشيطان ، دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح » 66 . والجاحظ في هذا النص الطويل يقرن بين المثل والتشبيه مما يؤكد تداخل المصطلحات عنده ودلالتها كلها على المجاز ، وهو من ناحية أخرى يلحّ على فكرة الوضوح مستدلا عليها بما ثبت في طبائع العرب من استقباح صورة الشيطان حتى ضربوا به المثل استقباحا أو تطيرا . وربط وضوح الدلالة بالمعرفة من جهة ، وربط المجاز بعلاقة المشابهة أو الاشتقاق المعنوي من جهة أخرى يؤكد وظيفة اللغة البيانية عند الجاحظ . وهكذا يرتبط الشرط الأول في الانتقال بالدلالة من معنى إلى معنى - شرط التشبيه والاشتقاق - بالغاية النهائية للغة . وليس من شأن المشابهة أو الاشتقاق أن تلغي الفواصل بين الأشياء ، أو أن تؤدي إلى الخلط بين الدلالات ، بل لا بدّ من المحافظة على تمايز الأسماء ودلالاتها . فإذا كان الاسم علامة على الشيء ، فحين ننقله لنعبر به عن شيء آخر لمشابهة بينهما في المعنى ، فإننا لا ننقله على أنه علامة ، بل ننقله لنؤكد وجه المشابهة مدحا أو ذما ، دون أن ندخل الشيئين أو المعنيين في حدود بعضهما ، والشعراء أنفسهم حين يشبهون - والتشبيه مجاز - لا ينبغي لهم أن يدخلوا الشيء في حد غيره « وقد يشبّه الشعراء والبلغاء الانسان بالقمر والشمس ، والغيث والبحر ، وبالأسد والسيف ، وبالحية وبالنجم ،